توجيه الراي العام-عبد الناصر رابي

عبد الناصر رابي

::كاتب مميز::
بسم الله الرحمن الرحيم
توجيه الرأي العام
عبد الناصر عدنان رابي- فلسطين
الرأي العام: القناعات التي يصل إليها المجتمع الواعي بعد المداولة، حسب بعض التعريفات.

ولم يعد خافيا على أحد الأهمية والتأثير الذي يتمتع به الرأي العام بشتى أشكاله، ولذلك نرى الحجم الهائل من الأنشطة والدراسات التي يتم القيام بها من أجل التأثير على الرأي العام، وتوجيه سلوكه، وضبط حركته، ويزداد ذلك الاهتمام وقت الأزمات والانتخابات، وحتى نستطيع التعامل الجيد مع هذا الموضوع فأنني سأقوم بالتعرض لأهم المؤثرات في الرأي العام.

عوامل التأثير في الرأي العام:

1- الدين والأيديولوجبة:

تختلف درجة تأثير الدين من مجتمع لآخر، ومن شخص لغيره، تبعا لمجموعة من العوامل أهمها:

أ- ‌مقدار الالتزام الديني، وطبيعة التعاطي معه حيث يختلف مستوى التأثير بين الملحد، والعلماني، والملتزم دينياً، والدين يزداد تأثيره في مجتمعاتنا الإسلامية بشكل عام إذا قورن بالمجتمعات الأخرى.

ب- ‌مقدار الوعي بطبيعة الدين، ومدى ارتباطه بمظاهر الحياة، وجوانبها المتعددة (فالإسلام نظام شامل يتناول كافة مظاهر الحياة) [البنا- الرسائل]

ت- ‌أسلوب عرض الخطاب، ومستوى قوته، ورصانته، واشتماله على وسائل الإقناع، وفنون التأثير، وتدعيمه بالأدلة المناسبة.

ث- ‌طبيعة المخاطِب، والجمهور المستهدف من حيث ثقافته، وعمره، وجنسه، واهتماماته.

ج- ‌طبيعة المرحلة، والظرف العام، والموضوع المراد الحديث حوله، إن أبناء الجماعات الإسلامية ينظرون إلى الدين نظرة التزام، وتطبيق، ولا يتعاملون معه كأسلوب لكسب التأييد انطلاقاً من قوله - عز وجل -(قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) وهذه ميزة يتميزون بها عن الذين يستغلون الدين لتحقيق مكاسب لحظية وخاصة.

ح- ‌بسبب وجود بعض العوائق؛ كتصدي من ضعف علمه للحديث فيما لا يتقن من جوانب الدين إضافة إلى ضعف التأهيل الشرعي أحياناً.

خ‌- تعدد الجماعات السلامية وتعارض خطاباتها أحيانا مما يوجب عليها العمل الجاد من أجل الحد من سلبية ذلك.

2- العامل الاقتصادي:

إن غريزة حب البقاء والتملك، وجعل الإشباع للحاجات الفسيولوجية (الطعام والشراب) على رأس الأولويات، إضافة إلى العلاج، والمسكن، والملبس لدى الإنسان، جعلت العامل الاقتصادي يكاد يكون العامل الأبرز في تحديد تحركات وتوجهات البشر إذا وضع أي عامل آخر أمامه على المحك، ولهذا نرى الاهتمام الواسع الكبير لدى مخططي السياسة الدولية، أو القطرية، أو الأقل من ذلك يركزون على عامل المال والاقتصاد توفيراً أو حظراً، حسب الهدف المراد، والفئة المستهدفة، فنرى أن التعامل القائم مع الشعوب الإسلامية يتمحور حول عدم السماح برغيد العيش لها حتى لا تفكر، وتهتم بالسياسة وشؤون الحكم، وكذلك الحرص على عدم إجاعة تلك الشعوب حتى لا تثور، وإنما إبقاء الشعب لا يفكر إلا في لقمة العيش، وكيف يحظى بها، ويحافظ على ديمومة قليلها، وإن تخلى عن العديد من حقوقه المدنية، والسياسية حتى الدينية، ولهذا لابد للإسلاميين أن يركزوا على هذا الجانب، وجعله عامل تحفيز للشعوب من أجل استنهاضها حتى تغير واقعها السيئ إضافة إلى بذل أقصى الجهد من أجل توفير الحياة الكريمة لأكبر قدر ممكن من الأفراد، مع ضرورة فضح سياسات الاستعمار وأذنابه.

3- وسائل الإعلام:

إن العمل الإعلامي الفردي، أو الجماعي محدد الفئات المستهدفة، أو الموجة للمجموع تلعب الدور البارز في إيصال، أو حظر، أو إيضاح، أو تشويه المعلومات والأخبار، وحتى قلب الحقائق في تأثير قصير المدى، أو طويلة إضافة إلى عمق تأثيرها في عقلية، وشخصية، وثقافة، وتوجهات، وسلوك المستقبلين، لذلك نرى الاهتمام البالغ في بناء الإمبراطوريات الإعلامية، وتحديث وسائل، وأشكال وتقنيات العمل الإعلامي، ومن الواضح أن الحركات الإسلامية قد بدأت تدخل غمار هذا العمل، وتحقق نجاحات متوالية عبر الانترنت، والفضائيات، والصحف وغيرها، ومن أجل مواصلة التقدم لا بد من إعداد الكوادر الإعلامية، والإدارية، بأعداد كبيرة، وتطوير، وتحديث مؤسساتها الإعلامية، وإنشاء مراكز الدراسات، والبحوث الرديفة، وإقحام بعض تلك الكوادر للعمل في مؤسسات إعلامية مستقلة إضافة إلى نشر الوعي الإعلامي بين كافة بناء الجماعات الإسلامية بشكل خاص، وتعدي ذلك إلى الأنصار، وعامة الشعب ليتسنى لنا العمل الفعال مع هذا الجانب.

4- شبكة المنظمات الأهلية والمدنية والنقابات والاتحادات المهنية والعمالة:

كونها تضم أعداد كبيرة من أفراد الشعب وذوي التأثير لما لها من تأثير على منتسبيها بسبب رعايتها لمصالحهم، وحرصهم على تقدمها، وإدامة ذلك التقدم مما يحدو بهم إلى تبني سياسات محددة، والتفاني من أجلها ولهذا فلا بد من العمل في هذا المجال من خلال اتجاهين هما:

أ‌- بناء المؤسسات، وتشكيل النقابات، والاتحادات الداعمة للجماعات الإسلامية، وأهدافها على أن لا يكون ظاهرها حزبيا ضيقا لتحظى بأكبر تأييد شعبي، وليسهل عليها تحقيق أهدافها بصورة أسهل وأنجح.

ب‌- دخول المؤسسات والاتحادات الأخرى من خلال شخصيات وأفراد لا تظهر صبغتهم الحزبية.

5- التنظيمات والأحزاب:

حيث أنها تعتبر من أهم عوامل التأثير والحسم في كافة العوامل الأخرى، ولا يخفى على أحد كبر تأثير الأحزاب في توجيه الرأي العام، ولهذا نرى أن عملية استجلاب العناصر الجدد، والتأثير في الأفراد عملية محمومة مستمرة لها فنونها، وأساليبها المتجددة، والتي تحتاج إلى إتقان، وإحاطة بأصولها وفروعها وفنونها.

6- طبيعة الأشخاص المرشحين للتأثير:

ومقدار قبول الناس لهم، وقدراتهم اللفظية، والسلوكية، ومراكزهم العلمية، والاجتماعية، والعرقية، والعائلية، وما يتمتعون به من صفات قيادية.

7- العادات والتقاليد والقيم السائدة في المجتمع:

رغم أنها جوانب متغيرة، ومن مجتمع ووسط لآخر لهذا لا بد من مراعاتها قدر المستطاع دون جعلها عامل تأثير سلبي على الثوابت الإسلامية.

8- طبيعة الخطاب ومدى ملأمته للفئات المستهدفة:

وللموضوع المراد الحديث فيه ويقسم الخطاب الإعلامي من حيث أنواعه إلى:

أ- ‌الخطاب الديني.

ب‌- الخطاب العاطفي.

ت‌- الخطاب العقلي.

ث‌- الخطاب القانوني.

إن معظم الخطابات تشتمل على أكثر من شكل من الأشكال سالفة الذكر حسب الحاجة ودرجة التأثير المراد، وطول الفترة الزمنية المتوخاه، قصيرة كانت، أو متوسطة، أو طويلة، وهذا علم قائم بذاته.

9- عدد العاملين في مجال التأثير:

ومستوى تأهيلهم حيث يتناسب النجاح طرديا مع عدد العاملين، ومستوى تأهيلهم، وتزداد فاعلية هذا العامل إذا تم التركيز على الدعوة والتواصل الفردي لنجاعته في التأثير.

إن من أعمق المشاكل التي تواجه العاملين والقيادات هو عملية القلب الدائم في أمزجة الرأي العام، وعدم ثباتها لفترات طويلة إضافة إلى ضحالة الوعي، والإدراك لتفاصيل الأحداث والسياسات ودوافعها في كثير من الأحيان كما إن تذبذب مستوى ونوعية الحاجات واختلافها من فئة إلى أخرى لها عميق الأثر في التوجهات والسلوك المتوقع ولهذا فلا بد من العمل الجاد والمهني الاحترافي لمن أراد الإمساك بزمام التأثير، وامتلاك دفة التوجيه؛ لأن العفوية، وعدم التطور مقتلة للعمل، ومذهبه للجهود دون جدوى.

إن العمل الموضوعي في قياس توجهات الرأي العام، وجوانب اهتماماتهم يعد عملاً محوريا ترتكز علية خطط العمل، وإحدى أقوى الضمانات للعمل المثمر؛ لأنها تحول دون التفكير، والتحليق في فضاءات الأماني والتخيلات غير الواقعية والتعامل معها كواقع ملموس، ولهذا العمل قواعده وأبجدياته .
العلم والمعرفة، الجد والعمل، المثابرة والإصرار، التقويم والمراجعة، التحديث والتطوير، مواكبة التغيرات، كلها ضمانات لبناء الخطط المناسبة وتحقيق الأهداف.
 
أعلى